ابن عربي

213

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

البهت ، فلا تصل عين إلى مشاهدتها فتحدها أو تصفها ، فالنور الذي كساها نور أعمال العباد ، وأنوار الأعمال تبعث من صورها فتغشاها ، فلا يستطيع أحد أن ينعتها ، فإن النعت للأشياء تقييد وتمييز ، والأعمال تختلف ولها مراتب ، وأنوارها على قدر مراتبها ، فعال وأعلى ، ومضيء وأضوأ ، ونعت العالي يناقض الأعلى ، ونعت المضيء يقابل الأضوأ من حيث ما هو أضوأ ، فلا يتقيد بنعت ، لأنك إن قيدتها بنعت أبطله لك نقيضه ، فما وفيتها حقها من النعتية ، إذ لم تكن أنوار الأعمال على درجة واحدة ، وقد غشيتها هذه الأنوار وغطتها ، فلا يقدر أحد أن يصل إلى نعتها ، فالسعداء وإن استظلوا بها ، فقد كسوها من ملابس الأنوار ما فضلت به جميع الأشجار ، وهي طعام وغاسول ، ونبقها كالقلال ، منه ترزق أرواح الشهداء ، فهي الشجرة الطهور ، فيها مرضاة الحق ، لذلك شرع السدر في غسل الميت للقاء اللّه ، الماء والسدر ليناله طهور هذه السدرة ، وجانب السدرة منصة هي مقعد جبريل عليه السلام . [ سورة النجم ( 53 ) : آية 17 ] ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ تحقيق وإفصاح بالتلاوة الإلهية وبالتلاوة الجسمانية والروحانية : ] - تحقيق وإفصاح من أول السورة إلى ما أذن به الفتاح بالتلاوة الإلهية - من حيث القرآن هو كلام اللّه ، التي لا يسأل عنها بالكيفية ولا الماهية : « وَالنَّجْمِ إِذا هَوى » في قلب تعرى عن الهوى « ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى » ولكنه شرب فارتوى ، « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى » لخروجه عن كرة الهوى « إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » أنزلناه عليه بلا واسطة كشفا وتلويحا ، فكان به عند نزول الواسطة في عالم الألفاظ عجولا فصيحا « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » بحضرة الاستوا ، « ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى » بما أيده به من القوى « وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى » عليه مراتب روحانية العلى ، « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » على المقام الأجلى « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » من المقام الأسمى خلف حجاب العزة الأحمى ، « فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى » فما أمسى عليه يوم ولا أضحى « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى » من حسن الرؤى « أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » فهو بحيث لا يرى « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى » عند الصيحة الكبرى « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى » مستقر الحسن والبها « عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى » المحفوفة بالبلوى ، حضرة ارتفاع الشكوى المنتجة للنجوى « إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى » فيعدم البصير ويظهر الأعشى « ما زاغَ الْبَصَرُ وَما